محمد جمال الدين القاسمي
49
طبقات مشاهير الدمشقيين من أهل القرن الرابع عشر الهجري
والده الجليل ، من أساتذة محقّقين ، وأفاضل كاملين ، منهم الشيخ محمد الطنطاوي ، والشيخ سليم العطار ، والشيخ محمد المنير ، والشيخ عمر العطار ، والشيخ سعيد الأزهري النابلسي البصير وغيرهم ، بوأهم اللّه دار السّلام . وفي سنة إحدى وثلاثمائة وألف ذهب لزيارة بيت المقدس الجليل ، ودعي لأداء فريضة الحج ذلك العام ، وعاد إلى الأوطان بغاية البهاء والاحتشام ، وكان له إقبال عظيم على شأنه ، وانزواء شديد عن أكابر زمانه ، وكان له مهابة في النفوس ، أمّارا بالمعروف نهّاء عن المنكر ، له حدة في الحق عمرية ، وثبات جأش وقوة جنان علية ، ومع هذا فتواضعه في نفسه واطراحه مع صحابته أمر يقضى منه العجب ، وقد رزق طلاوة النطق وحلاوة التعبير ، وانفرد عن أقرانه في دروسه بفصاحة التقرير وجودة التحرير ، فإذا تكلم خلب الألباب ، كما إذا كتب سحر ببلاغته الكتّاب ، وربما بقي في الكلام على حديث واحد ليالي متعددة يبث فيها سبائك المناسبات ، والفوائد المستنبطات ، وبالجملة فلقد كان رضي اللّه عنه آية في استحضار الشواهد وتقرير الأحكام ، وكان حريصا على مطالعة الكتب وجمع الفوائد ، ملازما لبيته ، لا يخرج منه إلا لصلاة الجماعة أو لمأرب صالح ، هذا عدا عن الصلاح الغض ، والوفاء المحض ، وما امتاز به من حسن السجايا ، ولين العريكة ، وكرم المزايا ، وكان له في دعائه أكبر خضوع ، وفي صلاته خشوع وأي خشوع ، وكان حسن الظن بمولاه ، متين اليقين ، غزير الدمعة عند ذكره الرقائق وتقصير النفس . وقد مدحه كثير من الأدباء في قصائد غراء ، فمن ذلك للأديب الفاضل الشهير السيد الحسين الحبال البيروتي مطرزا ( مولاي سعيد ) هذه الأبيات : منازلهم بالشّام بين الجداول * سقاك وحياك الحيا من منازل